العيني

97

عمدة القاري

بينان لطائف اسناده منها : أن فيه التحديث بصيغة الجمع وبصيغة الإفراد والعنعنة . ومنها : أن فيه ثلاثة من رواته مصريون ، وهم : أصبغ وابن وهب وعمرو ، وثلاثة مدنيون وهم : أبو النضر وأبو سلمة وابن عمر . ومنها : أن فيه رواية تابعي عن تابعي : أبو النصر عن أبي سلمة . ومنها : أن فيه رواية صحابي عن صحابي . ومنها : أن معظم الرواة قرشيون فقهاء أعلام . ومنها : أن هذا من مسند سعد بحسب الظاهر ، وكذا جعله أصحاب الأطراف ، ويحتمل أن يكون من مسند عمر أيضاً . وقال الدارقطني : رواه أبو أيوب الإفريقي عن أبي النضر عن أبي سلمة عن ابن عمر عن عمر وسعد عن النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم قال الدارقطني : والصواب قول عمرو بن الحارث عن أبي النضر عن أبي سلمة عن ابن عمر عن سعد . بيان من أخرجه غيره لم يخرجه البخاري إلاَّ ههنا ، وهو من أفراده ، ولم يخرج مسلم في المسح إلاَّ لعمر بن الخطاب ، رضي الله تعالى عنه ، وأخرجه النسائي أيضاً في الطهارة عن سليمان بن داود ، والحارث بن مسكين ، كلاهما عن ابن وهب به . بيان المعنى والإعراب قوله : ( وأن عبد الله بن عمر ) عطف على قوله : ( عن عبد الله بن عمر ) فيكون موصولاً إن حمل على أن أبا سلمة سمع ذلك من عبد الله ، وإلاَّ فأبو سلمة لم يدرك القصة ، وعن ذلك قال الكرماني : وهذا إما تعليق من البخاري ، وإما كلام أبي سلمة ، والظاهر هو الثاني . قوله : ( عن ذلك ) أي : عن مسح رسول الله صلى الله عليه وسلم على الخفين . قوله : ( شيئاً ) نكرة عام ، لأن الواقع في سياق الشرط كالواقع في سياق النفي في إفادة العموم . وقوله : ( حدثك ) جملة من الفعل والمفعول . وقوله : ( سعد ) بالرفع فاعله . قوله : ( فلا تسأل عنه ) أي : عن الشيء الذي حدثه سعد . قوله : ( غيره ) أي : غير سعد ، وذلك لقوة وثوقه بنقله . بيان استنباط الأحكام الأول : فيه جواز المسح على الخفين ولا ينكره إلاَّ المبتدع الضال . وقالت الخوراج : لا يجوز . وقال صاحب ( البدائع ) : المسح على الخفين جائز عند عامفة الفقهاء ، وعامة الصحابة إلاَّ شيئاً روي عن ابن عباس أنه لا يجوز ، وهو قول الرافضة . ثم قال : وروي عن الحسن البصري أنه قال : أدركت سبعين بدرياً من الصحابة كلهم يرى المسح على الخفين ، ولهذا رآه أبو حنيفة من شرائط أهل السنة والجماعة . فقال : نحن نفضل الشيخين ، ونحب الخنتين ، ونرى المسح على الخفين ، ولا نحرم نبيذ الجر . يعني : المثلث ؛ وروي عنه أنه قال : ما قلت بالمسح حتى جاءني مثل ضوء النهار ، فكان الجحود رداً على كبار الصحابة ، رضي الله تعالى عنهم ، ونسبته إياهم إلى الخطأ ، فكان بدعة ، ولهذا قال الكرخي : أخاف الكفر على من لا يرى المسح على الخفين ، والأمة لم تختلف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مسح . وقال البيهقي : وإنما جاء كراهة ذلك عن علي وابن عباس وعائشة ، رضي الله تعالى عنهم . فأما الرواية عن علي سبق الكتاب بالمسح على الخفين فلم يرو ذلك عنه بإسناد موصول يثبت مثله . وأما عائشة فثبت عنها أنها أحالت بعلم ذلك على علي ، رضي الله تعالى عنه ، وأما ابن عباس فإنما كرهه حين لم يثبت مسح النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بعد نزول المائدة ، فلما ثبت رجع إليه . وقال الجوز قاني في ( كتاب الموضوعات ) : إنكار عائشة غير ثابت عنها . وقال الكاشاني : وأما الرواية عن ابن عباس فلم تصح لأن مداره على عكرمة ، وروي أنه لما بلغ عطاء قال : كذب عكرمة ، وروي عن عطاء أنه قال : كان ابن عباس يخالف الناس في المسح على الخفين فلم يمت حتى تابعهم ، وفي ( المغني ) لابن قدامة : قال أحمد : ليس في قلبي من المسح شيء ، فيه أربعون حديثاً عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ما رفعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وما لم يرفعوا ؛ وروي عنه أنه قال : المسح أفضل ، يعني من الغسل ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه إنما طلبوا الفضل ، وهذا مذهب الشعبي والحكم وإسحاق . وفي ( هداية الحنفية ) : الأخبار فيه مستفيضة حتى إن من لم يره كان مبتدعاً ، لكن من رآه ثم لم يمسح أخذ بالعزيمة ، وكان مأجوراً . وحكى القرطبي مثل هذا عن مالك أنه قال عند موته : وعن مالك فيه أقوال . أحدهما : أنه لا يجوز المسح أصلا . الثاني : أنه يجوز ويكره . الثالث ، وهو الأشهر : يجوز أبداً بغير توقيت . الرابع : أنه يجوز بتوقيت . الخامس : يجوز للمسافر دون الحاضر . السادس : عكسه . وقال إسحاق والحكم وحماد المسح أفضل من غسل الرجلين ، وهو قول الشافعي ، وإحدى الروايتين عن أحمد . وقال ابن المنذر : هما سواء ، وهو رواية عن أحمد . وقال أصحاب الشافعي : الغسل أفضل من المسح بشرط أن لا يترك المسح رغبة عن السنة ، ولا يشك في جوازه وقال ابن عبد البر : لا أعلم أحداً من الفقهاء روي عنه إنكار المسح إلاَّ مالكاً ، والروايات الصحاح عنه بخلاف ذلك . قلت : فيه نظر لما في ( مصنف ) ابن أبي شيبة من أن مجاهداً وسعيد بن جبير وعكرمة كرهوه ، وكذا حكى أبو الحسن النسابة عن محمد بن علي بن الحسين وأبي إسحاق السبيعي وقيس بن الربيع ، وحكاه القاضي أبو الطيب عن